السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

199

مفاتيح الأصول

كذلك في التأويل الثاني إن المطلق إذا حمل على المقيد فالعمل به فيه لا يخرج عن كونه موقيا للعمل باللفظ المطلق في حقيقته ولهذا فإنه لو أداه قبل ورود التقييد كان قد عمل باللفظ في حقيقته ولا كذلك في تأويل المقيد وصرفه عن جهة حقيقته إلى مجازه الثالث أن الخروج عن العهدة بفعل أيّ واحد كان من الآحاد الداخلة تحت اللفظ المطلق لم يكن اللفظ دالا عليه بوضعه لغة بخلاف ما دلّ عليه المقيد من صفة التقييد ولا يخفى أن المحذور في صرف اللَّفظ عما دلّ عليه اللفظ لغة أعظم من صرفه عما لم يدلّ عليه اللفظ لغة وأما ثالثا فلأنّ احتمال الوجوب التخييري لا يمنع أيضا من حمل المطلق على المقيد أما على تقدير كون الأمر حقيقة في الوجوب العيني مجازا في التخييري فلما تقدم إليه الإشارة وأما على تقدير كونه حقيقة في القدر المشترك بين العيني والتخييري فلأنه لا إشكال في أن إطلاق الأمر ينصرف إلى العيني لكونه الفرد المتبادر منه ومن الظاهر أن رفع اليد من ظاهر الإطلاق بارتكاب التقييد فيه أهون من رفع اليد عن ظاهر الأمر بالحمل على التخييري لأن تقييد الإطلاق أغلب وقوعا من حمل الأمر على بالوجوب التخييري والمطلق على الفرد الغير المتبادر ثم إن كلّ ذا على تقدير كون المطلق ظاهر الدلالة على جواز الاكتفاء بكلّ فرد في مقام الامتثال فإنه حينئذ يقع التعارض بين ظاهري المطلق والمقيد وأما على تقدير عدم الدلالة على ذلك فلا إشكال في لزوم الأخذ بظاهر المقيد لعدم وجود المعارض له حينئذ وقد نبه على هذا السّيّد عميد الدّين في المنية قائلا نمنع من اقتضاء المطلق التخيير فإنه غير دال على الأفراد فضلا عن التخيير فيها وقد حقق هذا السّيد الخليفة في حاشية المعالم فقال الجمع بين الدّليلين لا ينحصر في حمل المطلق على المقيد إن كان المراد بالحمل المذكور الحكم بأن المراد بالمطلق حين استعماله هو المقيد حتى يكون مجازا وسيذكره المصنف وبنى الإشكال الآتي عليه لأنه لو أبقى على إطلاقه أيضا بلا مجاز أصلا وعمل بالمقيد يلزم العمل بهما معا فيجب العمل بالمقيد من حيث اقتضاء الأمر المقيّد له وإن كان المطلق باقيا على إطلاقه غير مقتض للقيد ولا لعدمه فالجمع بينهما حاصل مع إبقاء المطلق على إطلاقه من غير مجاز في المطلق ولا في المقيد لا يقال لا يجتمع وجوب العمل بالمقيد مع بقاء المطلق على حقيقته لأن مقتضى الإطلاق ومدلوله صحّة العمل بأي فرد كان على سبيل البدل وتعيين العمل بالمقيد ينافيه لأنا نقول لا نسلم أن مدلول المطلق ذلك بل أعمّ منه ومما يصلح التقييد بل المقيد في الواقع ألا ترى أنه معروض للمقيد في المقيد كقولنا رقبة مؤمنة إذ لا شك أن مدلول رقبة في قولنا رقبة مؤمنة هو المطلق وإلا لزم حصول المقيد بدون المطلق مع أنه حينئذ لا يصلح لأي رقبة كانت فظهر أن مقتضى المطلق ليس ذلك وإلا لم يتخلَّف عنه نعم لو أبقى بدون المقيد يلزم ذلك من أن الأصل البراءة عن التعيين وبناء الإشكال الَّذي نقله المصنف على تسليم أن الجمع لا يحصل إلا بارتكاب مجاز فأورد أن هذا إنما يتم لو كان المجاز في المقيد ممتنعا أو مرجوحا وقد عرفت أن ذلك التسليم غير لازم وأيضا يقين البراءة لا يتوقف على الحمل بهذا المعنى هذا على تقدير إرادتهم من حمل المطلق على المقيد ما ذكر وأما لو كان مرادهم العمل بالمقيد من غير مجاز في المطلق فالاستدلال صحيح ولا يرد عليه ما ذكرناه ولا الإشكال الَّذي ذكره المصنف لأن الأصل عدم المجاز في كليهما فالمطلق يقتضي وجوب إيجاد الماهية لا بشرط شيء والمقيد وجوب إيجاد القيد أيضا ولا تنافي بينهما أصلا فيجب إيجاد الماهية مع القيد حتى يجمع بينهما ويحصل البراءة من مقتضى المقيد وليس حينئذ مجازا في شيء من الطرفين حتى يقال يحصل التعارض والتساقط ويبقى المطلق سليما عن المعارض انتهى وفيه نظر فإن المطلق وإن لم يكن دالا على العموم البدلي هنا بالدلالة التضمنية وباعتبار وضع اللفظ بإزائه ولكنّه يدل عليه بالدّلالة الالتزامية اللَّفظية المعتبرة عند أهل اللَّسان كما لا يخفى وهو الظاهر من المعظم وحينئذ يقطع التعارض بين المطلق والمقيد ويتجه ما ذكره في المعالم من الإيراد لولا ما ذكرناه من الجواب فتأمل وأما رابعا فلأن قوله ويبقى المطلق إلى آخره لا وجه له بعد الحكم بالتساقط أو التوقف إن لم يبق للمطلق ظهور في العموم البدلي بعد وجود المعارض المساوي له كما لا يخفى ومجرد تعلَّق الأمر بالماهيّة لا يقتضي العموم البدلي عقلا حتى يقال إن الدلالة اللَّفظية إذا سقط اعتبارها باعتبار المعارض كان اللازم الحكم ببقاء الدلالة الأخرى وهي الدلالة العقلية فتأمل وينبغي التنبيه على أمور الأوّل المراد يحمل المطلق على المقيّد الحكم بأن المطلوب هو الماهيّة المقيدة وإنها متعلَّق التكليف فيكون المقيد بيانا وذلك قد يكون قرينة على استعمال المطلق في المقيد بطريق التجوز وقد لا يكون كذلك بل يكون غايته الدلالة على إرادة الخصوصية لا غير الثاني هل المقيد بيان للمطلق سواء اقترنا أو تقدم المطلق أو المقيد أو لا اختلفوا في ذلك على قولين الأول أنه بيان للمطلق مطلقا ولو تأخر وهو لصريح المعالم والنهاية المأمول وظاهر إطلاق العدّة والمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية والزبدة والأحكام والمختصر وشرحه للعضدي الثاني أنه ناسخ للمطلق إن تأخر وهو للمحكي في النهاية وغاية المأمول والمختصر عن بعض للقول الأول وجوه منها ما تمسّك به في المعالم من أن التقييد نوع من التخصيص في المعنى فإن المراد من المطلق كرقبة مثلا أي فرد كان من